السيد محمد باقر الصدر

343

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

أكثر واقعية من العرف الإسلامي الذي يقرّره القرآن ، لأنّ المهم قبل كل شيء توفير مصالح المجتمع وحماية هذه المصالح . فكلّ عمل كان يواكب هذا الهدف فهو عمل مجيد من مصلحتنا جميعاً أن نقدره ونمجده لنشجع على الإتيان بمثله ، وماذا يهمّنا - بعد أن نصل عن طريقه إلى مكاسب موضوعية - الدافع الذي يختفي وراءه والظروف النفسية التي اكتنفت تصميم العامل على العمل ؟ ! إنّ الشيء الجدير بالتقدير حقاً هو أن يشيد الغني مدرسة لأبنائنا ، لأنّ هذا التقدير والإعجاب سوف يشجّعه في عمله فتتضاعف مكاسبنا ، ولا يهمّنا أن يكون لهذا الغني طمع شخصي يدفعه ، ما دام هذا الطمع يدفعه إلى فعل الخير وخدمة المجتمع . ولكن نظرة سطحية كهذه - تقف عند ظواهر الأعمال ولا تغوص إلى الأعماق - تختلف مع طبيعة الرسالة الإسلامية من ناحية ، ومع مفهوم الإسلام من الارتباط الكامل بين العمل ورصيده الروحي والفكري من ناحية أخرى . فمن الناحية الأولى : ليس الإسلام مجرد تنظيم للسلوك الخارجي ، وإنما هو رسالة تهدف إلى صنع الإنسان قبل كل شيء ومنحه الحياة الجديرة به « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » « 1 » . فالإسلام يريد أن يعطي للإنسان حياة لا سلوكاً فحسب ، ولا يمكن لرسالة هذه طبيعتها أن تترك المحتوى الداخلي للإنسان وتنظر إليه من مظهره الخارجي فحسب . ومن الناحية الأخرى : ينظر الإسلام إلى العمل بوصفه التعبير الخارجي عن الإطار الروحي والجوّ الفكري الذي نمت فيه بذرة العمل ، فلا يمكن أن يجرّد عن

--> ( 1 ) الأنفال : 24